تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
x
أول الطريق.. ثقتك بنفسك
قصة نجاح

وعيت إلى الدنيا في دار الحضانة، كانت هذه الدار هي حدود معرفتي للحياة، ببراءة الأطفال كنت أعيش اللحظة مع من حولي من الإخوة والأخوات، حياتي منتظمة بسيطة وعادية يتخللها شقاوة وحب للعب.

كطفل صغير اعتدت على هذا النمط البسيط والجميل للحياة، ولم يخطر ببالي أن الحياة أكبر من مجرد لعبة صغيرة تسليني، أو ضحكة من أخ تسعدني.

في سن السادسة وفي يوم من الأيام زارتنا في الدار سيدة فاضلة، وتم اختياري مع مجموعة من الأطفال للذهاب معها، حينها اختلطت مشاعري ما بين الخوف من التغيير والرغبة في البقاء في الدار والحزن على فراقها.

كان الخوف يلازمني في كل موقف يحتاج قرار تغيير في حياتي، حتى تغلبت عليه مؤخراَ وسأخبركم السر.

عندما أصبح الانتقال وشيكاَ لجأت إلى مربية فاضلة في الدار والقلق واضحًا على جسمي الصغير كل ذلك خوفًا من الانتقال، فقالت لي: اذهب! فهناك ينتظرك مستقبل أفضل!

وكان لابد لي من الذهاب على أي حال، إلا أن كلمات مربيتي الفاضلة أضفت الطمأنينة على قلبي وأعطتني الدافع لكسر حاجز خوفي.

انتقلت للعيش مع السيدة الفاضلة والتي اعتدت فيما بعد على مناداتها بـ الوالدة.

كان هذا الانتقال خطوة إيجابية في حياتي، فالحياة هنا مهيأة بشكل أفضل، منزلنا الخاص، غرفتي الخاصة، و حولي إخواني وأمي، كل ما نحتاجه للترفيه متوفر حتى الملعب والمسبح.

كم هو جميل وعميق إحساس العائلة!

كبرت وبدأت أعرف الحياة أكثر .. درست المرحلة الابتدائية في إحدى مدراس جدة المعروفة، كانت مدرسة خاصة بها العديد من أبناء وجهاء المدينة، وطلابها من الطبقة الغنية المخملية!

بالرغم من أنهم كانوا زملاء جيدين وأصدقاء خلوقين إلا أنني كنت أشعر بفرق كبير بيني وبينهم.

عندما يذهبون إلى رحلة أو سفر لا أذهب معهم، وعندما يجتمع الآباء لا أجد أبي بينهم، بل إن اسم أبي وعائلتي لا يزينان اسمي!

هذه الفوارق ولدت فيني الشعور بالنقص وجعلتني أصبح شخصاً منعزلاَ عن زملائي.

في بداية أي مرحلة دراسية كانت الأيام الأولى صعبة جداَ، فأسئلة زملائي المكررة أو المعتادة لا أجد لها جواباَ ما اسمك؟ ومن هي عائلتك؟ أين قضيت الإجازة الصيفية وبصحبة من؟ جعلتني أتجنب حضور الأيام الأولى لكل مرحلة!

ولا أنسى عندما كنت في المرحلة الثانوية أطلب من سائق الحافلة أن يقف بعيداَ عن باب المدرسة حتى لا يراني أحد، فالجميع يمتلك سيارته الخاصة.

كل هذه المواقف المختلفة والمشاعر المتضاربة ولّدت بداخلي إحساس غريب! وكأن المجتمع يعاقبني على خطأ لم أرتكبه يوماَ.

لا أنسى حفظ الله سبحانه وتعالى لي، وحفظه يتجلى أن منحني قناعة وإيمان عميق بأهمية دراستي، فكنت أقضي أغلب وقتي بين الكتب، شاغلاَ نفسي عن التفكير السلبي.

من بين زملاء الدراسة كان لي صديق قريب جداَ إلى قلبي ربما لأنه لم يكن يسألني أسئلة محرجة، فقد رآني يوما مع والده في إحدى الفعاليات التي تقيمها لنا الوزارة، شعرت بعدها أنه فهم من أنا دون أن أشرح له، ولهذا الصديق المميز ووالده دور كبير في تغيير حياتي للأفضل.

أنهيت المرحلة الثانوية بمعدل 85% ولأول مرة يكون معدلي أقل من الممتاز، أخبرتني الوالدة وهي غاضبة بأن هذا المعدل لن يساعدك في الحصول على مقعد لدراسة الجامعة، ولأول مرة أجد نفسي أمام تحد لإثبات الذات!

خلال الصيف قمت بتقديم أوراقي للجامعات، والحمد لله تم قبولي في أكثر من جامعة واخترت جامعة الملك عبدالعزيز في جدة.

هذا أول أنجاز أقوم به دون مساعدة أحد، وكم كانت فرحتي عندما نجحت في إثبات ذاتي أمام والدتي ومن هم حولي.

في الجامعة قابلت صديقي مع والده وأثناء حديثنا قال لي: إلى متى ستظل تعتمد على والدتك في حياتك!؟ أريدك أن تبدأ مشوارك، وتبني نفسك بنفسك!

كانت هذه الكلمات مؤلمة وقاسية في ظاهرها، إلا أنها فتحت لي أبوابا كثيرة من التفكير!

ثم استطرد قائلا: أريدك أن تلتحق ببرنامج الابتعاث!

الفكرة كبيرة وجديدة! وخوفي من التغيير مازال يرافقني، إلا أن كلماته لامست رغبة جامحة لدي للاعتماد التام على نفسي!

قمت بتقديم أوراقي لبرنامج الابتعاث في الرياض، والحمد لله وصلتني الموافقة المبدئية، والآن تأتي خطوة إقناع والدتي بالأمر!

عادت والدتي من السفر في نهاية الصيف، وقام والد صديقي بالتحدث معها وإقناعها، فرحت والدتي كثيرا ولم تصدق الخبر حتى أطلعتها على أوراق القبول!

وافقت والدتي على التحاقي بالبرنامج! وغمرني شعور كبير ممتزج فرحة يخالطها تحد لإثبات نفسي، يشوبها الخوف من التغيير، تماما كانت مشاعري هكذا!

أنهيت إجراءات القبول النهائية، لأول مرة لم أشعر بالحرج من تقديم أوراقي بنفسي، ولا من الأسئلة المعتادة التي لا جواب لها!

سافرت إلى أمريكا!، وبالرغم من إحساسي الجميل بتخطي أول مراحل الإنجاز، إلا أنه مازالت نظرتي السلبية للمجتمع تراودني وتعيقني عن التقدم للمراحل التالية.

هذا الشعور المختلط نتج عنه الإحساس باللامبالاة، وكأنني بهذا الإنجاز البسيط حزت على كل شيء!

سبب لي هذا الشعور ضياع سنة كاملة! فلم أقدم أوراقي لأي جامعة لاعتمادها، حتى كانت الصدمة التي أيقظتني!

في نهاية الشهر ذهبت إلى البريد لاستلام الشيك الخاص بالمصروف من الملحقية، هذه المرة وجدت مع الشيك خطاباَ فحواه أن هذا آخر شيك يصرف لك حتى تكمل إجراءات قبولك في الجامعة!

أرسلت الخطاب لوالدتي فكان ردها صادماَ لي: إن عدت بلا شهادة فأنت لست ولدي!

كانت كلماتها كالصاعقة التي احتجتها لتوقظني من عدم المبالاة، بدأت أحاسب نفسي وأوبخها على التقصير، لكن هذه المرة كان يجب أن يكون قراري حاسماَ إما أن أكمل طريقي وإما أن يضيع مستقبلي!

طغت فيني حرارة الغضب التي حرقت شعور البرود وعادت رغبتي لإثبات نفسي مجدداَ حتى وإن قصرت !

أمي قطعت تواصلها معي فلم تكلمني بعد هذه الحادثة حتى أكملت دراستي!

أنا أمام تحد كبير، تأمين حياتي ومن ثم البحث عن جامعة تقبلني!

كنت أتنقل بين أصدقائي للعيش معهم حتى أدبر أموري!

بدأت بالتفكير خارج الصندوق، بحثت عن عمل في محيط الجامعة، فمن العمل كعامل نظافة إلى الغسيل في مطبخ الجامعة إلى الاستقبال في المكتبة!

لن أطلب من أحد المساعدة، ولن أكون عالة على أحد بعد اليوم!

وضعت خارطة أمريكا أمامي، قمت بحصر الجامعات التي من الممكن أن تقبلني، بحثت عن معلوماتها عن طريق الانترنت ثم بدأت بالتقديم إما عن طريق الاتصال وإرسال الأوراق أو عن طريق الذهاب وزيارة الجامعة.

خلال بحثي حصلت على معلومات كثيرة لجامعات مختلفة قمت بترتيبها وفرزها حسب المنطقة وشروط القبول.

طال انتظاري للقبول من أي جامعة! وفي يوم من الأيام لجأت إلى ربي ورفعت يدي وقلت: يا رب! إن حصل لي قبول في أي جامعة سأساعد كل طالب مستجد بما لدي من معلومات وبالمجان!

جاء الفرج بعدها بأيام! حيث تم قبولي في إحدى الجامعات، وكانت فرحتي وشعوري بالسعادة لا توصف خاصة أنه تم قبولي بالتخصص الذي كانت ترغب به والدتي.

اتصلت عليها كي أبشرها لكنها رفضت الحديث معي!

كان رفضها بمثابة درس، المشوار مازال أمامي ولم ينتهِ بعد! وعلي أن أعمل جاهداَ حتى أنال رضاها ولأثبت للجميع أنني على قدر كبير من المسؤولية.

بدأت رحلة التحدي.. انتظمت دراسياً، ومازالت لدي الرغبة في جمع تجربتي في القبول وإخراجها بشكل لائق ليستفيد منها كل طالب مستجد.

تبنى الفكرة معي مجموعة من زملائي، أنشأنا موقعا خاصا على شبكة الانترنت وقمنا بإدخال البيانات وترتيبها مع خاصية البحث حسب الرغبة للوصول إلى المعلومات بشكل أسهل.

حتى أصحبت المنصة مرجعًا لكل طالب دولي يرغب في الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لاحتوائه على كافة المعلومات الموثقة والصحيحة بأقصر طريقة وأسرع وسيلة بأدق تفاصيلها. وتُقَدم هذه الخدمة مجانًا للطلاب بقصد تيسير المسار الدراسي للطالب.

كانت فرحة الإنجاز عظيمة عند تخرجي وإنهاء دراستي، فبعد أن كنت وحيداَ ضائعاَ في أمريكا أصبحت أحمل شهادتي بكل فخر واعتزاز!

إنجازي كان دافعا لي للمزيد، فأكملت درجة الماجستير والآن أحضر الدكتوراه!

حياتي في أمريكا علمتني الكثير، وجدت أن الجميع يعاني من الصعوبات ويواجه العقبات، أحسست أنني أصبحت جزءا من المجتمع، فأنا أواجه المشكلات مثلهم، وأنجز وأتفوق أيضا مثلهم! تعلمت أن أبني الثقة بنفسي، وأن أرسم أهدافي وأنمي اهتماماتي وقدراتي، فهي السبب بعد الله في تحقيق إنجازاتي.

ولك يا من تقرأ أحرفي .. الأمل بالله كبير .. والثقة بالنفس مطلب للنجاح فقد تعلمت ذلك من إخاء .. حيث استفدت من مشورتهم الكثير لاتخاذ قراراتي، فلهم مني كل الشكر والعرفان، والمحبة والامتنان.

أشعل شموعك في الظلام دليلا .. تعب السراة وما رأوا قنديلا !

أشعل شموعك أنت إن رمت العلا .. شمس! تضيء من العباد عقولا.